برنامج الإضاءة الأمثل لزيادة إنتاج الدجاج اللاحم
يُعدّ الضوء من أبرز المتغيرات البيئية التي يتأثر بها أداء الدجاج اللاحم داخل العنابر المغلقة، إذ تنظم دورته اليومية العمليات الحيوية في جسم الطائر بدايةً من الأكل والشرب ووصولاً إلى هرمونات النمو والسلوك العام. لذلك يحرص الباحثون في معاهد الإنتاج الحيواني على تحديث برامج الإضاءة بما يلائم التطور الوراثي السريع الذي يشهده قطاع الدواجن.
تدلّ التجارب الحقلية على أن تطبيق برنامج إضاءة مدروس يرفع معدلات التحويل الغذائي، ويقلل نسب الإجهاد، ويحسّن تجانس القطيع، كما يحدّ من المشكلات السلوكية مثل الافتراس والنيقر. ويستند تصميم أي برنامج ناجح إلى فهم العلاقة بين طول الفترة الضوئية، وشدة الإضاءة، وطول الموجة الضوئية، ومرحلة النمو التي يمر بها الطائر.
الأساس الفسيولوجي لتأثير الإضاءة على الدجاج اللاحم
يمتلك الدجاج اللاحم مستقبلات ضوئية في شبكية العين، إضافة إلى مستقبلات إضافية تقع في منطقة تحت المهاد والغدة الصنوبرية، وهي المسؤولة عن تنظيم إفراز الميلاتونين والهرمونات المرتبطة بالنمو. وعند تعرّض الطائر للضوء تتوقف إفرازات الميلاتونين، مما ينشّط الغدة النخامية لإفراز هرمون النمو، وهذا يفسر جزئياً سبب تحسّن معدلات الزيادة الوزنية عند تهيئة ظروف الإضاءة الملائمة.
كما يتأثر الإيقاع اليوماوي للطائر بشكل مباشر بنمط الإضاءة المطبق، إذ يحدد هذا الإيقاع أوقات النشاط والحركة وأوقات الراحة والهضم. إن اضطراب هذا الإيقاع نتيجة لإضاءة مستمرة أو شدة غير مناسبة يؤدي إلى ضعف الاستفادة من العلف وارتفاع معدلات التحويل الغذائي. ولهذا السبب تتجه التوصيات الحديثة إلى إدراج فترات ظلام كافية ضمن كل دورة إنتاجية.
مراحل تطبيق البرنامج خلال دورة التسمين
تُقسَّم دورة التسمين عادةً إلى ثلاث مراحل رئيسية من حيث احتياجات الإضاءة: مرحلة الحضانة من عمر يوم حتى عشرة أيام، ومرحلة النمو الوسطى، ومرحلة التشطيب قبل التسويق. وفي مرحلة الحضانة يحتاج الطائر إلى فترة ضوئية طويلة قد تصل إلى 23 ساعة يومياً لتشجيعه على تناول العلف والماء وتعويده على بيئة العنبر، مع فترة ظلام قصيرة لا تقل عن ساعة واحدة لتنظيم الإيقاع اليومي.
تُخفَّض الفترة الضوئية تدريجياً في المرحلة الوسطى لتتراوح بين 16 و18 ساعة يومياً، بينما يُعاد رفعها قليلاً في مرحلة التشطيب للوصول إلى الوزن التسويقي المستهدف. وقد أثبتت الدراسات أن تطبيق برنامج إضاءة متدرج يحقق زيادة في وزن الجسم بنسبة تتراوح بين 4% و7% مقارنةً بالإضاءة المستمرة، مع تحسّن ملحوظ في كفاءة التحويل الغذائي.
شدة الإضاءة المناسبة لكل مرحلة عمرية
تختلف حاجة الطائر لشدة الإضاءة بحسب عمره ونشاطه السلوكي. ففي الأيام الأولى يُنصح باستخدام شدة تتراوح بين 30 و40 لوكس لتشجيع الكتاكيت على الحركة واكتشاف المعالف والمساقي، ثم تُخفَّض الشدة تدريجياً لتصل إلى 5 لوكسات في الأعمار المتقدمة. ويساعد تخفيض الشدة في الحدّ من النشاط الزائد والعدوانية بين الطيور، كما يقلل من حالات الإجهاد الحراري.
يجب قياس الشدة بشكل دوري باستخدام جهاز لوكس متر في عدة نقاط داخل العنبر لضمان التوزيع المتجانس للضوء، إذ إن الظلال أو المناطق المعتمة تدفع الطيور للتكدس وتزيد معدلات النفوق. وتُعدّ شدة الإضاءة المنخفضة جداً من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المربين ظناً منهم أنها تهدئ الطيور، بينما يؤدي ذلك إلى تراجع ملحوظ في استهلاك العلف.
فترات الظلام ودورة الإضاءة والظلام
أصبح من الثابت علمياً أن فترة ظلام لا تقل عن أربع إلى ست ساعات يومياً ضرورية للنمو الطبيعي للدجاج اللاحم. وتعمل هذه الفترة على تعزيز إفراز الميلاتونين الذي يسهم في تجديد الأنسجة وتحسين جودة العظام، إضافة إلى أنها تتيح للجهاز الهضمي فترة كافية لهضم واستخلاص العناصر الغذائية. ولوحظ أن الطيور التي تُحرم من الظلام الكامل تظهر عليها أعراض ضعف في الأرجل وزيادة في حالات العرج.
تتعدد أنماط الإضاءة المتبعة بين برنامج الضوء المستمر مع فترة ظلام قصيرة، وبرنامج الضوء المتقطع الذي يعتمد على دورات قصيرة متناوبة من الإضاءة والظلام خلال ساعات النهار. ويتيح البرنامج المتقطع للطيور فرصاً متكررة لتناول العلف والراحة، مما يعزز تجانس القطيع ويقلل الفقد في العلف. ويتوقف اختيار النمط الأنسب على نوع العنبر ونظام التهوية المتاح وخبرة المربي.
لون الطول الموجي وتأثيره على السلوك والنمو
تتفاعل الطيور مع أطوال موجية مختلفة من الضوء بطرق متباينة؛ فالضوء الأزرق يضبط الساعة البيولوجية ويشجع على الحركة في الأعمار المبكرة، بينما يعمل الضوء الأخضر على تحسين معدلات النمو في الأعمار الوسطى، ويُسهم الضوء الأحمر في الحدّ من العدوانية في مرحلة التشطيب. وتدفع هذه النتائج كثيراً من المزارع الحديثة إلى استخدام مصابيح LED متعددة الأطوال الموجية يمكن برمجتها بحسب عمر القطيع.
يجب الانتباه إلى أن استخدام إضاءة بيضاء تقليدية قد لا يحقق النتائج المرجوة في حال كانت درجة حرارة اللون غير مناسبة. ويُنصح باختيار مصابيح بدرجة حرارة بين 3000 و5000 كلفن، مع توزيعها بشكل يراعي ارتفاع السقف وكثافة الطيور. كما أن تجديد المصابيح بشكل دوري يحافظ على ثبات شدة الإضاءة، إذ تتضاءل كفاءة المصابيح مع مرور الزمن.
الجوانب الاقتصادية والصحية لتطبيق البرنامج
يترتب على تطبيق برنامج إضاءة علمي أثر اقتصادي مباشر يتجلى في خفض تكاليف العلف وارتفاع وزن التسويق وتحسين تجانس القطيع، وهي عوامل تنعكس إيجاباً على هامش الربح. ومن الناحية الصحية، يقلل البرنامج الجيد من نسب الإصابة بتشوهات الأرجل والكسور عند التقاط الطيور، كما يحدّ من المشكلات السلوكية كالنيقر والافتراس التي قد ترفع معدلات النفوق.
وتتجلى الفائدة الأبعد في تحسين صورة قطاع الدواجن لدى المستهلك، إذ إن الطيور التي تنمو في ظروف إضاءة ملائمة تكون أكثر صحة وأقل تعرضاً للإجهاد، وهو ما ينعكس على جودة اللحم المنتج. ولهذا تتجه كثير من الجهات الرقابية والجمعيات المتخصصة إلى اعتماد برامج الإضاءة ضمن معايير الإنتاج الحيواني المسؤول. ويمكن للباحثين والمهتمين الاطلاع على تجارب مشابهة منشورة عبر حلقات النقاش المعرفي المتخصصة في تبادل الخبرات بين الباحثين.
توصيات عملية للمربين والمشرفين على العنابر
- البدء بإضاءة قوية نسبياً في الأيام الثلاثة الأولى ثم تخفيضها تدريجياً بحسب عمر القطيع.
- الحرص على تخصيص فترة ظلام لا تقل عن أربع ساعات يومياً في جميع مراحل التسمين.
- قياس شدة الإضاءة أسبوعياً في عدة نقاط داخل العنبر وتدوين النتائج لمتابعة الانحرافات.
- اختيار مصابيح LED بكفاءة تحويل ضوئي عالية وتجديدها فور ملاحظة تراجع في شدة الإضاءة.
- توثيق برنامج الإضاءة المستخدم ضمن سجلات القطيع لربطه بمعدلات النمو والتحويل الغذائي.
يقدّم معهد بحوث الإنتاج الحيواني عبر موقعه الإلكتروني مجموعة من النشرات والأدلة الإرشادية التي تساعد المربين على تصميم برنامج إضاءة يناسب ظروف عنابرهم. ندعوكم إلى التواصل مع الباحثين المتخصصين في قسم بحوث الدواجن للاستفادة من الاستشارات المجانية، وزيارة صفحة تجارب الإنتاج المتكامل للاطلاع على أحدث الأبحاث المنشورة في هذا المجال الحيوي.