زراعة البرسيم الحجازي كعلف أخضر غني بالبروتين لتغذية الماشية
يُعدّ البرسيم الحجازي من أقدم المحاصيل العلفية المعروفة في العالم، وقد ارتبط تاريخه بتاريخ الزراعة في حوض البحر المتوسط ومناطق الشرق الأوسط منذ آلاف السنين. تنتمي هذه النبتة البقولية المعمرّة إلى العائلة الفولية، وتُستخدم أوراقها وسيقانها كعلف أخضر غني بالبروتين والفيتامينات والمعادن. ويعتمد كثير من مربّي الماشية في مصر والوطن العربي على البرسيم الحجازي كمصدر رئيسي للأعلاف الخضراء خلال فصول السنة المختلفة، لا سيما في فترات الجفاف عندما تقلّ المراعي الطبيعية. وتُعدّ هذه النبتة من أكثر الأعلاف استدامةً، إذ يمكنها الإنتاج المستمر لسنوات عدة دون الحاجة لإعادة الزراعة سنويًا.
تحتل زراعة البرسيم الحجازي مكانة بارزة في خطط الإنتاج الحيواني المصري، إذ تسهم في رفع القيمة الغذائية للأعلاف المقدمة للأبقار والجاموس والأغنام والماعز والدواجن. ويهدف هذا المقال إلى استعراض الجوانب الفنية لزراعة البرسيم الحجازي، بدءًا من اختيار التربة والظروف البيئية المناسبة، مرورًا بعمليات الخدمة والتسميد والري، وصولًا إلى القيمة الغذائية ودوره في تحسين إنتاجية الثروة الحيوانية. كما يستعرض المقال التحديات الشائعة وأفضل الممارسات التي تساعد المزارعين على تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة من وحدتي المساحة والمياه.
أهمية البرسيم الحجازي في الإنتاج الحيواني
يتميّز البرسيم الحجازي بنسبة بروتين خام مرتفعة تتراوح بين 18 و22% من المادة الجافة، وهي نسبة تتفوق على كثير من الأعلاف الخشنة التقليدية مثل التبن والقش. ويحتوي كذلك على ألياف غذائية قابلة للهضم، فضلًا عن العناصر المعدنية كالكالسيوم والفوسفور والبوتاسيوم والمغنيسيوم، بالإضافة إلى الفيتامينات الذائبة في الدهون كفيتامين A وE وK. هذه التركيبة المتوازنة تجعله عنصرًا أساسيًا في علائق الأبقار الحلوب، إذ ينعكس تناوله إيجابًا على كمية الحليب ونسبة الدهن فيه وعلى الصحة العامة للحيوان.
عند مقارنته بمحاصيل علفية أخرى شائعة، يبرز تفوّقه في عدة معايير. ويوضح الجدول التالي مقارنة مبسّطة بين البرسيم الحجازي وبعض الأعلاف الخضراء الشائعة في الإنتاج الحيواني:
| المحصول | نسبة البروتين الخام (%) | المادة الجافة (%) | الإنتاجية التقريبية (طن/فدان) | احتياجات الري |
|---|---|---|---|---|
| البرسيم الحجازي | 18 – 22 | 25 – 30 | 12 – 20 | مرتفعة |
| سيلاج الذرة | 7 – 9 | 30 – 35 | 18 – 25 | مرتفعة |
| الشعير الأخضر | 9 – 12 | 20 – 25 | 8 – 14 | متوسطة |
| البرسيم المصري (الرسمي) | 16 – 20 | 20 – 25 | 10 – 16 | متوسطة |
من خلال هذا الجدول، يتبيّن أن البرسيم الحجازي يتفوّق في المحتوى البروتيني، حتى مع تفوّق سيلاج الذرة في الإنتاجية الكلية. ولتعميم الاستفادة من الأعلاف الخضراء في المزارع المصرية، يمكن للمهتمين الرجوع إلى الأبحاث والدراسات المنشورة في مركز بحوث الرمان للاستفادة من الخبرات التراكمية في إدارة المحاصيل البقولية وتحسين إنتاجيتها.
الظروف المناخية والتربة المناسبة للزراعة
ينمو البرسيم الحجازي بشكل أفضل في المناخات المعتدلة وشبه الجافة، ويفضّل درجات حرارة تتراوح بين 15 و30 درجة مئوية. ويتحمّل الجفاف نسبيًا بفضل جذوره الوتدية العميقة التي تصل إلى أكثر من مترين في التربة الجيدة، مما يجعله قادرًا على استخلاص الرطوبة من الطبقات السفلية. ومع ذلك، فإن الإنتاجية القصوى تتحقق في المناطق التي يبلغ فيها معدل هطول الأمطار السنوي ما بين 400 و800 ملم، أو من خلال الري المنتظم في المناطق الجافة التي تعتمد على المياه الجوفية أو السطحية.
من حيث التربة، يفضّل البرسيم الحجازي الأراضي الطينية الرملية أو الطينية الجيدة الصرف، ذات الرقم الهيدروجيني الذي يتراوح بين 6.5 و7.5. ويجب تجنّب الأراضي المالحة أو شديدة القلوية، لأن زيادة الملوحة تعيق نشاط البكتيريا العقدية المسؤولة عن تثبيت النيتروجين. ويُنصح بإجراء تحليل للتربة قبل الزراعة لتحديد مدى ملاءمتها، مع تعديل الرقم الحامضي عند الحاجة باستخدام الجبس الزراعي في حالات ارتفاع الملوحة، وتطبيق دورة زراعية مناسبة تمتد من 4 إلى 6 سنوات لاستعادة خصوبة التربة والحدّ من تراكم مسببات الأمراض.
خطوات تجهيز الأرض والزراعة
تبدأ عملية تجهيز الأرض بحرثها مرتين متعامدتين لإزالة بقايا المحصول السابق وتفكيك التربة، ثم تُسوّى الأرض جيدًا لضمان توزيع مياه الري بانتظام. بعد ذلك، يُضاف السماد البلدي المتحلل بمعدل يتراوح بين 15 و20 مترًا مكعبًا للفدان، مع مراعاة توزيعه المتجانس قبل الحرثة الأخيرة. وفي حال انخفاض خصوبة التربة، يمكن إضافة سوبرفوسفات الكالسيوم بمعدل 200 كجم للفدان أثناء التجهيز لتحفيز نمو الجذور والعقد البكتيرية في مراحل النمو الأولى.
تُجرى الزراعة عادةً خلال شهري أكتوبر ونوفمبر في مصر، حيث تنخفض درجات الحرارة وتبدأ الأمطار في الهطول في بعض المناطق. وتُستخدم البذور الملقّحة بالجراثيم العقدية المناسبة (Rhizobium meliloti) بمعدل يتراوح بين 20 و25 كجم للفدان، وتُزرع في سطور تبعد عن بعضها حوالي 25 – 30 سم. ويُغطّى البذور بطبقة خفيفة من التربة لا تتجاوز 1 – 2 سم، مع ضرورة ري الأرض رية كاذبة خفيفة بعد الزراعة لضمان انتظام الإنبات وتقليل جفاف البذور.
الري والتسميد وإدارة المحصول
يحتاج البرسيم الحجازي إلى ري منتظم ومناسب، خاصة في فترات الجفاف. وتُقدَّر الاحتياجات المائية بنحو 1200 – 1500 ملم خلال الموسم، مع مراعاة تقليل الري قبل عمليات الحشّ بحوالي 5 – 7 أيام لتسهيل حركة المعدات وتقليل الرطوبة في النبات. ويُنصح بري المحصول في الصباح الباكر أو المساء لتقليل الفاقد بالتبخر، وتجنب الري في ساعات الذروة الحرارية التي تشهد فيها النباتات أعلى معدلات فقد الماء.
أما بخصوص التسميد، فيستجيب البرسيم الحجازي جيدًا للتسميد الفوسفاتي والبوتاسي، بينما يعتمد في تثبيت النيتروجين على العقد الجذرية بشكل رئيسي. ويُوصى بإضافة 200 كجم سوبرفوسفات و50 كجم سلفات البوتاسيوم للفدان سنويًا، مع إضافة 20 – 30 كجم من سلفات المغنيسيوم عند ظهور أعراض نقصه على الأوراق. وللحصول على إنتاجية عالية، يجب حشّ المحصول بانتظام كل 28 – 35 يومًا في فترات النشاط، مع ترك ما لا يقل عن 2.5 – 5 سم من النمو لضمان تجدده بسرعة واستمرارية الإنتاج طوال الموسم.
القيمة الغذائية ودوره في إنتاج الألبان
يتميّز العلف الأخضر الناتج من البرسيم الحجازي بقيمة غذائية عالية، إذ يحتوي على بروتين خام عالي الجودة وألياف قابلة للهضم ومعادن متنوعة. وعند تقديمه للأبقار الحلوب ضمن العلائق، يرفع من إنتاج الحليب ويحسّن نسبة البروتين فيه. وتوصي كثير من الدراسات البحثية بإدراج البرسيم الحجازي بنسبة 40 – 60% من المادة الجافة في علائق الأبقار الحلوب لتحقيق أفضل أداء إنتاجي. ولمعرفة المزيد عن تأثيرات الإجهاد الحراري على إنتاج الألبان خلال فترات الحر، يمكن مراجعة دراسة إنتاج الألبان في الصيف.
علاوة على ذلك، يسهم البرسيم الحجازي في تحسين صحة الحيوان بشكل عام، إذ يدعم جهاز المناعة بفضل محتواه من الفيتامينات ومضادات الأكسدة. ويُستخدم كذلك في تغذية العجول الرضيعة بعد فطامها، وفي علائق الأغنام والماعز لتحسين معدلات النمو وجودة اللحوم. وتُشير الأبحاث إلى أن إدخال البرسيم الحجازي في نظم التغذية يقلل من الاعتماد على الأعلاف المركّبة المستوردة، مما يخفف من تكاليف الإنتاج ويرفع من ربحية المزرعة، فضلًا عن مساهمته في تحسين خواص التربة عبر تثبيت النيتروجين الجوي.
التحديات وأفضل الممارسات الزراعية
على الرغم من المزايا العديدة للبرسيم الحجازي، تواجه زراعته عدة تحديات، أبرزها ارتفاع تكاليف التأسيس الأولية، وحساسية المحصول للملوحة، وضرورة مكافحة الأمراض الفطرية الممرضة مثل صدأ الأوراق وتبقع الأوراق. وللحدّ من هذه المشاكل، يُنصح باختيار أصناف مقاومة محليًا، مع الالتزام ببرنامج مكافحة متكامل يشمل إزالة بقايا المحصول السابق وحرقها، واستخدام مبيدات فطرية معتمدة عند الحاجة، وتطبيق دورة زراعية طويلة تمتد إلى 6 – 7 سنوات لمنع تراكم مسببات الأمراض في التربة.
تتطلب زراعة البرسيم الحجازي متابعة مستمرة لعمليات الري والتسميد والحشّ، فضلًا عن مراقبة علامات الإصابة بالأمراض والآفات. ويُستحسن تجديد الأصناف كل 4 – 5 سنوات، لأن الإنتاجية تميل إلى التراجع مع تقادم الحقل. وللحصول على أفضل النتائج، يُنصح المزارعون بالاستفادة من خدمات الإرشاد الزراعي والدراسات البحثية التي يوفرها المعهد، فضلًا عن الاطلاع على الإصدارات والمنشورات الفنية المتخصصة في مجال الإنتاج الحيواني والمحاصيل العلفية. كما يُستحسن التعاون مع الباحثين الزراعيين لتجريب أصناف جديدة ملائمة للظروف المحلية وتبني أفضل الممارسات العالمية في إدارة المحصول.
لمتابعة أحدث الأبحاث والتوصيات الفنية في مجال زراعة الأعلاف الخضراء وتغذية الحيوان، ندعوكم لزيارة الموقع الإلكتروني لمعهد بحوث الإنتاج الحيواني والاطلاع على المنشورات والدورات التدريبية والخدمات الاستشارية المتاحة للمربين والباحثين على حد سواء، والاستفادة من مصادر المعرفة المتعددة التي يوفرها المعهد لتطوير الإنتاج الحيواني وتحسين كفاءة المزارع.